أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
264
شرح مقامات الحريري
والبلادة : التّحير في الأمر ، والبليد المتحيّر : الذي لا يدري أين يتوجه ، الأصمعيّ : البليد : الذي يضرب بإحدى بلدتيه على الأخرى من الغمّ عند المصيبة . والبلدة هي الرّاحة ، يقال : تبلّد الرجل ، إذا تحيّر وضرب بإحدى يديه على الأخرى ، يريد أنّ البلادة مشت فيهم وأشربتهم . * * * ثم افتتح النّطق بالبسملة ، وأنشد ملغزا في المزمّلة : [ الطويل ] ومسرورة مغمومة طول دهرها * وما تدري ما السرور ولا الغمّ تقرّب أحيانا لأجل جنينها * وكم ولد لولاه طلّقت الأمّ وتبعد أحيانا وما حال عهدها * وإبعاد من لم يستحل عهده ظلم إذا قصر اللّيل استلذّ وصالها * وإن طال فالإعراض عن وصلها نعم لها ملبس باد أنيق مبطّن * بما يزدرى لكن لما يزدرى الحكم * * * قوله : المزمّلة ، أي الملففة ، وقد زمّلت ، إذا لفّفت ، وهي آنية يبرّد فيها الماء ، شبه الخابية ، تستعمل بأرض العراق وتوضع عليها لفائف ثياب خشنة ، وتغشّى بجلد أو ثوب مزيّن ، حسن لنظر العين ، ومن تحته تلك الأغشية الخشنة الّتي لها السرّ والحكم في تبريد الماء . ومسرورة ، أي محمولة على سرير ، وهم يجعلون تحتها مرفعا من عود أو حديد ، ترتفع به عن الأرض فهو سريرها ، وكذلك رأيت خوابي الماء بسجلماسة ، كلها على أسرّة عود . وقيل مسرورة : مغمومة مغطاة ، وسرير الكمأة : ما غطاها من التراب . والغم : ضدّ السرور . جنينها : ولدها ، أراد به الماء . وحال : تغيّر . عهدها : التقاؤها وقربها . غنم : غنيمة . أنيق : معجب . يزدرى : يحتقر ، وأراد بالحكم معنى تبريد الماء ، وأراد أن ما بدا منها للناظر فهو غشاء حين يعجب من رآه ، وهو قد بطّن بلفائف غلاظ مستحقرة ، ولها معنى تبريد الماء ، وقال السريّ الموصليّ في المزمّلة : [ الطويل ] وحافظة ماء الحياة لفتية * حياتهم أن تستلذّ المشارب تسربلها أجفى اللباس وإنّما * يليق بها أفوافه والسباسب على جسد مثل الزّبرجد لم يزل * يشاكله في لونه ويناسب إذا استودعت حرّ اللجين سبائكا * تصوّب في أحشائها وهو ذائب فهذه القطعة وقطعة المقامة تدل على تفسيرنا ، وبه كان يفسر شيخنا ابن جهور رحمه اللّه ، حدّثنا بذلك شيخنا أبو بكر بن أزهر عنه . وأما الفنجديهي ففسر المزمّلة بتفسير غير مرضيّ ، وذلك أنه قال : المزمّلة موضع يغطّى ؛ ويحشى تبنا ، ويوضع في وسط التّبن وعاء في القيظ يبقي الماء باردا ، ويترك ثقبه في وسط الموضع لدخول الجرة